ابن حزم

425

الاحكام

قلت : أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى ، أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : إنك ستأتيه وتطوف به . قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا . قال علي : لم يشك عمر قط مذ أسلم في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومعاذ الله من أن يظن ذلك به ذو مسكة ، ولكنه شك في وجوب اتباع ما أمرهم به من الحلق والنحر ، وإمضاء القضية بينه وبين قريش ، ثم ندم على ذلك كما ترى ، وعمل لذلك أعمالا مستغفرا مما سلف منه ، من الامر الذي ينصره الآن من أضله الله تعالى بالتقليل الفاسد ، ومثل هذا ، من غير أهل الحديبية ، فسق شديد ، ولكنهم بشهادته صلى الله عليه وسلم مغفور لهم لا يدخله النار منهم أحد إلا صاحب الجمل الأحمر وحده . قال علي : وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم دينهم في هذا الباب ، كما ثنا يحيى بن عبد الرحمن ، ثنا ابن دحيم ، ثنا إبراهيم بن حماد ، ثنا إسماعيل بن إسحاق ، ثنا نصر بن علي ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق قال : ثنا عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : حلق يوم الحديبية رجال ، وقصر آخرون فذكر ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم ترحم على المحلقين ثلاثا ، وعلى المقصرين واحدة ، بعد أن ذكر بهم ثلاث مرات فقالوا : ما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : إنهم لم يشكوا . قال علي : لم يشكوا في وجوب تنفيذ أمره ، وشك المترددون فعوقبوا كما ترى ، وإن كانوا مغفورا لهم كلهم ، وكذلك الذين فروا من الزحف يوم أحد ، فأخبر تعالى أنه إنما استفزهم الشيطان ببعض ما كسبوا ، ثم أخبر تعالى أنه عفا عنهم ، فمن اقتدى بهم في الفرار من الزحف فهو غير حاصل على ما حصلوا عليه من العفو ، بل يبوء بغضب من الله تعالى . ولا عجب أعجب ممن يقتدي بأهل الحديبية في خطيئة وقعت منهم قد ندموا عليها ، واعترفوا بها ، وينهى عن الاقتداء بهم في فعل فعلوه كلهم ، موافق لرضا الله عز وجل ، ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم في نحرهم البدنة في ذلك اليوم عن سبعة ، والبقرة عن سبعة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنهم نحروا سبعين بدنة عن سبعمائة إنسان ما سوى البقر ، فيقول هؤلاء : لا يجوز الاقتداء بهم في ذلك تقليدا لما لك ثم يحض على الاقتداء بهم في خطيئة أخطؤوها قد تابوا منها ، فهل في عكس الحقائق